محمد هادي معرفة
133
التمهيد في علوم القرآن
ترصيع ، ورصفت كلماته وجمله وتراكيبه على أجمل ترصيف ، فيه جمال الشعر ووقار النثر وإجادة السجع الرصين ، مع قوّة البيان ورشاقة التعبير ، من غير أن يعتريه وهن أو ضعف ، في طول كلامه وتعدّد بياناته . وهكذا من حيث المعنى ، جاء بمعان جديدة كانت مهجورة أو مطموسة ، فأحياها من جديد ، وأبان من مراميها ، وألقى الضوء على فلسفة الوجود وسرّ الحياة في المبدأ والمعاد ، فجاء بمعارف جليلة وتعاليم نبيلة ، أنار بها درب الحياة بما أذهل القلوب وأبهر العقول وأحار ذوي الألباب . وفي ذلك يقول العلّامة محمّد عبد اللّه دراز : أسلوب القرآن لا يعكس نعومة أهل المدن ولا خشونة أهل البادية ، وزن المقاطع في القرآن أكثر مما في النثر وأقلّ مما في الشعر ، وأنّ نثره ينفرد ببعض الخصائص والميزات ، فالكلمات فيه مختارة ، غير مبتذلة ولا مستهجنة ، ولكنها رفيعة رائعة معبّرة ، الجمل فيها ركّبت بشكل رائع ، حتى أنّ أقلّ عدد من الكلمات يعبّر عن أوسع المعاني وأغزرها ، إنّ تعابيره موجزة ، ولكنها مدهشة في وضوحها ، حتى أنّ أقلّ الناس حظّا من التعلّم يستطيع فهم القرآن دونما صعوبة ، وهناك عمق ومرونة في القرآن ممّا يصلح أن يكون أساسا لمبادئ وقوانين العلوم والآداب الاسلامية ومذاهب الفقه وفلسفة الإلهيات « 1 » . وفي أسلوب القرآن نجد أنه وضع لبعض الألفاظ معاني جديدة ، وخاصّة ما اتّصل منها بالفقه الاسلامي ، كما استحدث ألفاظا جديدة وأعرض عن ألفاظ ، فمنع استعمال مدلولاتها وأعاض عنها بغيرها ، وخاصّة وحشيّ اللفظ . . . كذلك أبطل سجع الكهّان وطوابع الوثنية ، وأضعف فنون الفخر والاستعلاء والهجاء ، وطبع الحوار بطابع السماحة وإقامة الحجة والبحث عن
--> ( 1 ) الفصحى لغة القرآن - أنور الجندي : ص 40 .